​الليل وقت الغريب، ذاك الغريب الذي يزورني كل ليلة ولم يلبث غريبا ً فلربما الغربة فيّ.

يزورني كل ليلة ويمشي في كل أرجاء غرفتي. في وطأة قدميه ثقلٌ كيانيّ وخفّة روحيّة، في حركة يديه حسرة وتلهف، وفي نبرة صوته حنين لبساطة الماضي وطموح بإنطواء المستقبل. 

يمشي و ينثر أفكارا ً  وطروحاتٍ وجوديّة، يساءلني دون أن يكتفي ولو لمرّة بجواب: 

-إن لم يكن الجواب رحمٌ للأسئلة أضحى مقبرة للروح و الحق.

– ما السؤال الذي يبقيك على قيد الحياة؟

– وما الغاية من سؤالك؟ لطالما ظننت أن الحياة هي بحث ٌ عن أجوبة لأسئلة تولد معنا إلا أن الواقع هو التالي: لا مكان للسؤال. إننا نبحث عن أجوبة سبقت  وأعطيت لنا، أجوبة معلّبة. والحال تعود إلى أن الأغلبية لا تريد حرية الحقيقة بل ترغب بكثير مما يشبهها و قليل من البقايا:

تفضّل ما هو كبير لدرجة تعكس التنوّع و ضئيل إلى حد لا يمسّ طغيانها المقنّع. و حقيقة الطغيان وهم حرية وغرور استعباد. 

كما أنني وجدت أننا لا نريد الحقيقة إلا تلك التي لا تحاكينا. وإن حدث وحاكتنا حقيقة ما، حوّلناها شعارا ً حاكمين عليها بالموت قهرا ً في منفى المثالية. ومتى ماتت متنا معها.

– وهل يعقل أن تموت الحقيقة؟

– وهل يعقل ألا تموت ؟ فهي لا معنى لها إلا إن التقت الخير. و الخير عطاء أوجّه بذل الذات. و قيمة هذين الأخيرين تزهو بالجمال وإلا فكيف لنا أن نشتهيهما؟ ليست الحقيقة ما يبقيني على قيد الحياة و لا الخير بل الجمال والشوق إليه، لبيت شِعر إضافي، لرقصة،  لرسمة، لنوتة موسيقية، للقاء، للمسة….

– إن الحياة تُعاشُ في ذلك “البَعد”.

 فردّ بهزة رأس:

– و لأجله.

– لا بل معه. هو ذلك الأخر الأسمى الذي إن أتيته بسؤال، كشف نفسه جواب، و إن أتيته بجواب فَتَحَ آفاقك بسؤال. قبل أن تأتي وافاك و بعد أن ذهبت لاقاك. من دُهِشَ به العقل و عَجُزَ أمامه اللسان، من جفّ فيه القلم ليبقى الصمت سيد الموقف. 

– إن صَمَتنا فهو الكلمة المحتجبة وراء الصمت و إن تَكَلّمنا فهو الصمت الذي يشقّ حجاب الكلام. في سموّه انحناء و في انحناءه سموّ؛ حبّذ لو بانحناءه يمرّر أنامل روحه على قيثارة النفس الصامتة فتنطلق بالأناشيد نحو سموّ مجده.

…تلاشت الكلمات، وجدت نفسي امشي في ارجاء الغرفة بثقل و خفة في آن معاً، لا غريب ولا غربة. 

أستلقي على الفراش، الحياة تنبض في؛ على شفتيّ طعم رحمة من هو الكل في الكل،  يُخبِرُ عن الغير المُدرَك و يهزّني على وقع نبضات الكون لأرقد في حضرة الحاضر ابداً. 
24-9-2016

Advertisements