إن التفاوت الكبير بين الشعور الوطني و الشعور المدني ، يشكل العامل السوسيولوجي المستمر في التاريخ المعاصر لمجتمعنا المسيحي.
فالتحدي الأكبر الذي ما زلنا نجابهه منذ خروج العثماني من ديارنا حتى يومنا هذا يكمن في التفاوت الجوهري بين الحماس الوطني و الفتور المدني  لدى أبنائنا.
فبقدر ما يُحرِّك الشعور الوطني نفسيتنا في أعماقها، و يدفعنا إلى بذل أقصى التضحيات و إلى البطولات الملحمية، بقدر ما يبقى الشعور المدني   متخلّفا ً. بحيث يصح القول بأن قدرتنا على بناء المجتمع لا توازي قدرتنا على خلق الأوطان.
و يستتبع هذا الوضع أموراً خطيرة:
أهمّها أن الحماس الوطني بحد ذاته، إذا لم يقترن بالشعور المدني الناضج، يبقى مجرّد انتفاضة عاطفية تصرخ بوجه التاريخ، في الظروف الإستثنائية.
و تسكت و تتلاشى عندما تعود الحياة العادية إلى مجراها الطبيعي.
كما أن شعورنا المدني  المتخلّف لم يسمح بتطوير مجتمعنا المسيحي و جعله مدنياً حقيقياً، ينصهر فيه أبناؤه على اختلاف فئاتهم و طبقاتهم.
و الحرب التي عشناها مؤخراً جاءت لتعبّر عن هذا الواقع الأليم. كما أثبتت صحة ما نقوله بشأن التفاوت بين الحماس الوطني و الفتور المدني  . بدليل أن القتال انتهى بغالب وهو الوطن و مغلوب هو المجتمع.
و بما أننا ربحنا الوطن و خسرنا المجتمع، يجدر بنا البحث عن الأساليب الملائمة لبناء مجتمع مسيحي سياسي جديد، يجسّد الوطن و يطوّر مكوناته، و باعتقادي ان تعبئة رأينا العام المسيحي من أجل بناء مجتمعنا الجديد، كفيل بحد ذاته، بتحويل الفرد في بيئتنا إلى شخص و مواطن، و تحويل وسطنا البشري إلى مجتمع مدني حقيقي.
مناف منصور في نادي الرابية سنة 1977

Advertisements